20 , سبتمبر 2026

القطيف اليوم

إليك بُني " ٤٧".. ليس كل ما يُسمع يُقال

    إني لأشمُّ رائحة القهوة. يبدو أنك أعددتها للتو، يا بُني!

 نعم، سأوافيك بها الآن.      

  في انتظارك؛ لأحكي لك اليوم حكاية، أجدني مُتلهفًا لسردها عليك. أتعلم لماذا؟ عيناك محض سُؤال، مُزدحم على شفتيك. كعادتك تُفضل الصمت، مُكتفيًا بملامحك الدافئة، التي تُغريني؛ لأعيش الكلمات في ذاتي، وأفرشها بين يديك.

 أراني مُحملًا بالذكريات، تفيض بي سُكرها؛ لتغدو الدقائق كمشهد يُعيد تشكلها فيَّ.

 في يوم من الأيام، كنت مع صاحبي، الذي كثيرًا ما أحدثك عنه. كان وجهه يشي بالألم. كأنه الصباح، يرتعش على المرايا، مُخلفًا قطرات الندى، كارتعاش قلبٍ أضناه الأسى، القلق المغرق في الحيرة.

 كانت المسافات كصمتٍ قاسٍ، وكأنها تواسي أنينه الجارف، تنساب دُموعه على خديه، يُلاطفها بأصابعه في هُدوء، ويُغمض عينيه، يتأمل الوقت، كظلٍ، يُحدق فيه. أحسست به. حدثته رغبة في معرفة ما به.

 سارح الذهن، هو. وكأني أحدث نفسي. لحظات مرَّت، بعدها حدَّق في عيني، وأفرج عن ابتسامةٍ مُتعبة الأنفاس.

أتعلم بُني

 أن ما يُعجبني في صاحبي، أنه يُتقن لغة الصمت المتأمل. تجده يُدقق في كل شيء؛ فالتفاصيل بالنسبة إليه لها أهمية، يُعيد غربلتها؛ ليظل دائم التفكير. وبعد جُهدٍ من الصمت، أشاحه عن شفتيه، وبدأ يُحدثني عن الأمر الذي يُشغله. لم أكن أتوقع ذلك. وقع حديثه أرغمني على التأمل، والقلب يئنُّ من الوجع. سأخبرك ما حدث.

 إن صديقه الذي قضى معه عمرًا، مُنذ أن كانا في مرحلة المراهقة، إلى الآن، وعلاقتهما تزداد تعلقًا يومًا بعد يوم، قد أنهى هذه العلاقة. تركه على حين غرة، ولم يكتفِ بذلك، ولكنه كتب له رسالة أوجعت قلبه. قرأتها من هاتفه المحمول، تلبية لطلبه. كانت كلماته جارحة.

 شعرت بوقع الخذلان على قلبه، والحيرة التي تجتاحه. الأمر الغريب جدًا أن صاحبي لا يعرف سبب ذلك. أعرف أن صاحبي لا يهتم بردات الفعل؛ فالأهم لديه أن لا يُسيء إلى غيره. يُخبرني أنه نقَّب في ذاكرته، فلم يجد سببًا لهذا الجفاء والقطيعة.

 وجاءت التفاصيل؛ حيث أن صاحبي كان مُتوجهًا إلى مجلس أحد الأصدقاء، حيث يجتمعون فيه كل ليلة جمعة، وأثناء دخوله، ألقى السلام على الجميع، وتوجه ليصافحهم. وعندما وصل إلى صديقه المقرب، ابتسم في وجهه ومدَّ يده ليصافحه، فأعرض عنه، ولم يُصافحه. حينها، كان صاحبي في موقفٍ لا يُحسد عليه.

 استغرب الجميع هذا التصرف؛ فهو لا يمتُّ إلى الإنسانية بصلة، ولا يتسم بالذوق. عمَّ الصمت على الجميع، وفي جُعبة كل واحدٍ منهم سُؤال يُوجع القلب، مفاده: ما السبب؟

 وأين السرُّ، بُني؟

 مع الأيام، اتضح الأمر لصاحبي، إذ إنه لم يدخر جُهدًا في سبيل معرفة السبب. فقد تواصل معه مرارًا، ولكنه لا يرد على اتصالاته، وأرسل له عدَّة رسائل، ولكنه لم يُكلف نفسه كتابة بضعة حُروف؛ ليريح قلب صديقه، الذي وضعه في قلبه، واعتبره رفيق درب.

 خطرت في باله فكرة أن يُرسل إليه أحد المقربين منه. وقد نجح في ذلك. فقد كان السبب أن أحدهم نقل إليه كلامًا على لسان صاحبي، فيه ما يبعث على الجفاء، ويُثير الصدمة؛ الأمر الذي جعل صديقه يتصرف بكل هذه القسوة، راميًا وراء ظهره العشرة، وما كان بينهما من ماء وملح.   

 هل لي بكوبٍ آخر من القهوة؟ ففي رائحتها الكلمات، تحكي الأمنيات على وقع أهزوجة الماء.

 لحظات فقط، وتكون بين أصابعك، تُلاطفها، كروحك في الكلمات.

 تفضل، لا تزال تحتفظ بسخونتها.

 يا لهذه السمراء، التي تُلهمني عيناها، حين يلمع فيهما العشق! أيتها السمراء، احتويني حُضنًا، يُنسيني فيه العناق كل بُؤس، كل قلق الليالي المتعبات بسواكِ، وكل دمعةٍ انسابت من مُهجتي إلى مُهجتيكِ، كل شيء إلا أنتِ.

 كل هذه الكلمات، تنسجها في القهوة، أبي؟

 نعم، بالنسبة لي لحظات ارشاف القهوة، هي بمثابة السكينة التي أرنو إليها، والغرق في الفكرة التي أنشدها، واليراع الذي يُقاسمني اللحظة؛ ليعانق فيَّ ظلَّه.

 دع القهوة في حالها؛ لنعود إلى حكايتنا.

    انتبه، يا بُني..

 من آفة نقل الحديث بين هذا وذاك؛ فإنها سبب في إشعال الضغينة، وإثارة المشكلات، ليس فقط على مستوى العلاقات الاجتماعية، ولكنها تنخر في جذع العائلة والأسرة؛ فتفرقها، وتُمزق أواصر المحبة، وتحلُّ الفتنة البغيضة. ستجد في حياتك من سلّم نفسه لهذه الآفة، ويسعى بكل ما أوتي من سبيل في بثها، فاحذره، ولا تُعطه المساحة؛ لأن تكون فريستها.

 إن الكلمة، حينما تخرج، قد تُشيّد صرحًا من المحبة، وقد تُهدمه. لذلك، لا تفتح أذنيك لكل ما يُقال، ولا تمنحه ثقتك الكاملة. ابحث عن الدليل، والتمس العذر، وتريث في تفاعلك، ولا تهتم، وكن خارج نطاق الخدمة. وبالنتيجة، لا تنقل كل ما تسمع، إلا إذا كان في نقله فائدة وصلاح، فليس كل ما يُقال، يستحق أن يُقال.


error: المحتوي محمي